السيد محمد تقي المدرسي
44
من هدى القرآن
قال المفسرون : إنما قدَّم كلمة أَئِفْكاً وهي مفعول مطلق ، للعناية الخاصة بها ولبيان أن كل تبريراتهم لعبادة الآلهة خاطئة فليسوا هم إلا كاذبين . وهذا يمثل قمة التحدي ، من إبراهيم عليه السلام لذلك الضلال المنتشر بين قومه . [ 87 ] ثم سأل قومه بعد بيان خطأ الشرك ، وهو يبين لهم الإله الحق : فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ وهكذا تكون حركة الرساليين قائمة على هدم الفكر والواقع الباطل ، وبناء الفكر والواقع الحق بدلها . ويبدو أن إبراهيم عليه السلام وجههم - بهذه الكلمة - إلى المنهج السليم للتخلص من ضغوط الشرك ، والتوجه إلى الله . فمن تصور آيات الله وتذكر أسماءه وصفاته علم بأنه لا يرضى لعباده الكفر والشرك ، وأنه يعاقب عليه أشد العقاب ، وأنه ينتصر للذين يقاومون المشركين . وكذلك نظن أن كلمات المفسرين هنا في أبعاد الظن قد تكون جميعا من أبعاد الآية بالرغم من أن كل واحد منهم ذهب إلى بعد منها وظنه المراد الوحيد منها . [ 88 - 89 ] ولأن نبي الله إبراهيم عليه السلام جوبه بالرد ، والأذى خطط لعمل واقعي يبلغ من خلاله الرسالة بشكل أعمق أثرا ، وما دام يعرف بأن الأصنام باطل فما يضره أن يبادر هو بنفسه لتحطيمها ، ولو لم يكن المجتمع قد اقتنع بذلك . فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ وكان قد اختار يوم عيدهم فرصة سانحة للقيام بمهمته ، وخادعهم إذ أظهر لهم معرفته بالنجوم وذلك اتباعا لمنهج التقاة والعمل السري وتغطية على ما سيقوم به في المستقبل ، وقد استفاد عليه السلام في ثورته من العادة الاجتماعية القاضية بالاعتقاد بالنجوم ، حيث كان قومه يتشاءمون أو يتفاءلون من خلال نظرهم إليها . وقد نهى الإسلام عن الاعتقاد بما يقوله المنجمون إلا ما كان يستند على دليل منطقي . وغاية معقولة . قال الإمام علي عليه السلام : ( أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وتَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الكَهَانَةِ والمُنَجِّمُ كَالكَاهِنِ والكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ والسَّاحِرُ كَالكَافِرِ والكَافِرُ فِي النَّارِ ) « 1 » . ويبدو أن علم النجوم بذاته غير محرم إلا أن جعل خرافات المنجمين في مقام رسالات الله والعمل بالنجوم من دونها هو المحرم ، فقد جاء في الحديث عن عبد الملك بن أعين : ( قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام : إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا العِلْمِ فَأُرِيدُ الحَاجَةَ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى الطَّالِعِ ورَأَيْتُ الطَّالِعَ الشَّرَّ جَلَسْتُ ولَمْ أَذْهَبْ فِيهَا وإِذَا رَأَيْتُ الطَّالِعَ الخَيْرَ ذَهَبْتُ فِي الحَاجَةِ . فَقَالَ عليه السلام لِي : تَقْضِي ) « 2 » .
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 11 ص 373 . ( 2 ) أي تقضي وتحكم بقبول ما آمرك .